Friday, January 10, 2014

مقاييس التشتت

" بلاش تبوسني في عينيا دي البوسة في العين تفرّق
يمكن في يوم ترجع إليا والقلب حلمه يتحقق "

تقول الأسطورة إنه في علاقات ما ليها خصائص معينة .. مابتنتهيش .. مابتنتهيش أبدا .. زي علاقة المدخن بالتدخين .. مفيش مدخن بيبطل فعلا ..
حتى لو بطل .. بيرجع يشرب حتى لو بعد 30 سنة توقف .. لو مات قبل ما يرجع يشرب .. الناس بيفهموا غلط إنه توقّف .. أو ماكانش عايز يرجع !
لأ .. يمكن كان عايز يرجع بس الظروف منعته .. مات !
مين قال انه لو مات يبقا كان بطل يحب !

وده النوع من العلاقات اللي بتوصل في أجزاء كتير من مراحلها ل
" وقابلته .. نسيت إني خاصمته .. "
والحاجات في الدنيا نوعين .. نوع بتعلّم عليه وتتعلم منه .. ونوع بيعلّم عليك ومابتعرفش ببساطة تتنتصر عليه أنه ببساطة مدخّن مقتنع بجدوى التدخين
أبطّل ليه ؟!

" كل الحاجات بتفكّرني
بعيون حيرتها تحيّرني .. كل الحاجات حواليا تدور
زي الحيطان بتداري النور .. وقلبي من بعد الطيران .. ما حيلته إلا جناح مكسور
دلوقت مهما أقول الأه .. وانت بعيد من يسمعني ! "

بيقولوا إن فيه فترتين .. هم أصعب فترتين في طريق تعافي المدمن من مرضه , واحدة منهم بتكون في بداية العلاج .. وهي احساسه الكامل بحاجته الدورية للي بيدمنه واللي بيسموها مجازا أعراض انسحابية وبتكون من نوعية .. لأ مين قال إني عايز أبطّل .. أنا عايز أرجع .. ثم يشتغل عقلك اللي قفل السكة في وشها منذ قليل .. كلّمها .. كلّمها أرجوك دلوقت حالا
وبينتهي الإحساس ده تماما بمجرد ما بتنتهي الحقنة .. بيتبعها احساس بالذنب
كمريض .. يستحق العلاج ولا يستحق الاتهام بالضعف
بتتسحب الحقنة من ايده زي ما تكون قاصده تعوّره وهو بيسيبها تقع لوحده ..
لحد معاد القرار التاني .. وأعراض الانسحاب التانية
ده كله قبل قرار الوداع الأخير ..

" هاودّعك .. آخر وداع .. " أو المعروف مؤخرا ب :
" الفراق .. اللي يتفقوا الحبايب فيه يبقوا صحاب "

ودي المرحلة اللي بيفتكر فيها المدمن إنه خلاص تخلّص تماما نهائيا .. وبيقولوا كمان إنه أحد أعراض الإدمان إن المدمن يبدأ ساعتها يفكر يستبدل ما أدمنه بآخر .. زمان كانت الناس بتحس إن اللي بيعمل كده بيتعافى فعلا , لكنه مؤخرا بدأت الناس تتقنع بإنه بائس لدرجة إنه
" كل واحده .. بتقابلها بتبقى حاسه .. انت مش جايلها ده انت جاي تنسى " التجارب أثبتت إن البدائل قصيرة العمر بطبعها , لعدم اشباعها بشكل ما - غير منطقي في كتير من الأحيان - نفس الكم من الرغبات اللي كان بيشبعها مصدر الإدمان الأصلي , وماحدش يعرف ليه .. رغم توافر كل مسببات الإشباع ويمكن أكتر
وهنا بيقع المحترم القوي في أصعب لحظات حياته ..

" أهرب من قلبي أروح على فين .. ليالينا الحلوة في كل مكان "
" ليه بيفكروني عينيك ! ليه بيرجعوني إليك ! ليه بيكلموني عليك "

لحظات الفلاش باك المؤلمة , لحظات يظن فيها المدمن إنه كان سعيد في وقت ما في الماضي اللي بيظهرله في الفلاش باك !
الماضي ! الماضي اللعين .. جرّب تحرّك شعرة في الماضي وشوف ازاي هيتقلب عليك لأنك ببساطة ماحلتوش .. لأنه ببساطة فيه حاجات مالهاش حل ..
فيه ناس بتقول ماترجعلوش أبدا ! لكن ازاي !
ازاي واحنا ملينا الدنيا أمل , الامل .. هو المرض الأخطر وأسوأ العادات هي تربية الأمل .. ودي بتكون الفترة التانية الصعبة في حياة المدمن فترة الحنين التام
فترة المقارنة وبتكون المقارنة على سنة الأساس والسنة اللي بعديها

وهنا .. يختلف الأشخاص إلى نوعين :

النوع الأول :

" قولي لقلبك يسمعني .. مش دمعه اللي مرجعني
من غير ما تنادي وتبكي الشوق كان هيرجّعني "

مرحلة المدمن الغير قادر على التوقف واللي ممكن يضحي بكل حاجة في سبيل ما يدمنه .. مرحلة المدمن اللي بيكسب تعاطف الناس كلها .. والناس كلها بتحبه وبتشفق عليه وعايزه تساعده .. واللي بتنتهي دايما إما بانتحاره بعد تحول حياته إلى الجحيم لحد النهاية ( راجع نسب الطلاق مؤخرا في جمهورية مصر العربية ) .. نظرا لأن العلاقة غير مناسبة ومضرة من الأساس حتى مع وجود الحب أو بتنتهي بموته ببساطة .. النوع اللي بيصعب ع الناس .. بتتجنبه من غير ما تعامله بسوء لأنه مدمن .. لأنه غارق في الوهم .. ودي اللي بيستسلم فيها المدمن ل
" فكروني ازاي ! .. هو أنا نسيتك " .

النوع التاني :

" و ابقى .. افتكرني .. حاول .. تفتكرني "

النوع ده بيقرر يعمل نفسه ناسي .. وده النوع المكروه .. المجتمع كله بيرفضه بحكم إنه مدمن سابق .. والمدمن المتعافى بيحصل على شفقة وتعاطف أقل من صديقه المستمر في الإدمان , ربما بعد التشجيع من هنا أو هنا إلا إنه في النهاية مرفوض تماما , النوع اللي بيوصفه الجميع بالندل .. أو الأناني .. ربما المسمى الانسب ليه بيكون " المتعافي " إنما زي ما قولت في الأول .. فيه نوع من العلاقات .. من الإدمان .. من الإحساس بالأعراض الانسحابية مابينتهيش .. كل اللي بيحصل إنك بتعرف تسيطر عليها في ساعتها .. من غير ما تدور على بدائل للإدمان .. من غير ما تستسلم لطرق العودة الملغمة بالتجارب السابقة ..
النوع اللي هيبطل تعاطي .. بس مش هيبطل تفكير ظنا منه إنه فيه شيء هيحصل .. ولحد ما ده يحصل .. هيعيش بخبرة اللي عنده تجارب .. ويبص للأشياء بحكمة ..
" ماتخافيش .. أنا مش ناسيكي "

Friday, January 3, 2014

دورة حياة ريان جيجز ( الجزء الثاني - في بيتنا أليكس )



لم يكن مانشستر يونايتد قد فاز بالدوري الانجليزي منذ عام 1967 حين قرر عام 1986 أن ينصّب الاسكتلندي الناجح أليكس فيرجسون مديرا فنيا للفريق , تلك الفترة التي انتهج فيها العالم مسارا جديدا لكرة القدم تلك اللحظات التي قرر فيها العالم أن يتوقف قليلا عن مهاجمة البلدان الأخرى و أن يذهب قليلا في كرة القدم إلى النصف الآخر من الملعب .. جاء فيرجسون إلى أولد ترافورد خلفا للعجوز قليل الحيلة رون أتكينسون .. جاء فيرجسون باحثا عن أسطورته الخاصة , ولكنه قرر حينها أنه يحتاج لصنع أساطير أخرى كي يحقق ذلك .. ذلك عندما قرر الذهاب إلى كارديف  .

كارديف مدينة بسيطة هي عاصمة مقاطعة ويلز .. إحدى دول مملكة بريطانيا العظمى . لم تكن تعلم كارديف التي اشتهرت وقتها فقط ب قلعتها الخالدة وجامعتها الشهيرة أن لون السماء اليوم أحمر لسبب ما , لم تكن تعلم أنها بصدد أفق جديد اليوم ربما يجعل منها المدينة الأشهر في بريطانيا كلها وأن يتردد صدى اسم ويلز نفسها واسعا بسبب لاعب كرة قدم 
- غريب ! لون السماء عندكم أحمر في كارديف !
سألها الرجل القادم من مانشستر من أجل مهمة للسائق المحلّي الذي رد بابتسامة ويلزية بارده .. قبل أن ينظر إلى السماء قائلا :
- يبدو أن التنين الأحمر غاضبا من زيارة الاسكتلندي يا سيدي 
- لا أعلم .. أشعر أنه يرحب بي


ربما كانت ظهيرة أحد أيام الأحد عندما استقبل ريان ويلسون أفضل لاعب في دوري المدارس و نجم فريقه في المباراة النهائية , رجلا جادا يدعى أليكس فيرجسون عارضا عليه و أمه الذهاب إلى مانشستر .. بدأ اللاعب الذي لم يكن قد تم عامه الرابع عشر بعد رحلته عندم خرج أليكس من باب المنزل ونظر إلى شرفة اللاعب في شغف .. دخل ريان غرفته وأغلق بابها  .. ثم نظر إلى السماء حمراء اللون , رأى ريان المستقبل كله قبل أن يلتفت إلى أمه السيدة لين جيجز التي تدق باب الغرفة وتخبره أنه سيصبح رائعا 
يقول لها في ثقة :
- أنا رائع يا أمي ولكن السماء تبدو أروع

Thursday, January 2, 2014

دورة حياة ريان جيجز ( الجزء الأول - جيجزي )


أُدرك هذا التشابه العظيم بين حياة الإنسان العادي وبين حياة لاعب كرة القدم , لاعب كرة القدم الناجح يبدأ حياته صغيرا يتهافت عليه الجميع كطفل , الكل يريد التودد إليه , الكل يريد الحصول عليه .. الكل يود لو يكون هو الذي أوجده والكل يريده أن يلعب معه

بعد فترة .. 
يشعر هذا الطفل بأهميته لدى الجميع , ثم يبدأ في التذمر , يرفض , يبكي يشعر بالغيرة من أي طفل جديد , يفعل كل شيء لجذب الانتباه .. يفشل 
ولكنه في النهاية لا زال في مرحلة من مراحل طفولته فلا يستطيع أحد أن يزايد على غضبه وتذمره .. بالعكس قد يحاول البعض تهدئته حينا .. أو معاقبته حينا
ولكنه في النهاية .. طفل عبقري

يتجاوز الطفل العبقري كل تلك التفاهات ويخبر الجميع إن خبرته في الحياة الآن فقط تسمح له بالتخلي .. وما أدراك ما التخلي  , تلك فترة المراهقة العنيفة .. أنا رجل كبير ولا يعجبني الحال
هذا بالظبط قبل أن يقتنع الجميع ويقتنع هو نفسه باقتراب مرحلته الأهم
النجم ..
ربما هي المرحلة الأهم .. هي مرحلة الأب .. مرحلة المسئوليه .. مرحلة التوقف عن الجنون , ربما هي المرحلة الأهم بالنسبة للجمهور ولكن ليس لدى اللاعب
هل جلست مع نجم كرة قدم قبل ذلك !
نعم ربما بالتأكيد شعرت بتلك النظرة الحزينة التي ترقص على كل أبعاد الحكمة , تلك النظرة التي يقفها ربان السفينة .. يشعر فيها بأنه يسيطر على كل شيء تلك النظرة الأخيرة التي ينظرها لطاقمه .. ولسفينته .. قبل أن يعاود النظر إلى جبل الثلج الذي لن يستطع تجاوزه ..
تقترب النهاية بالطبع .. إنها الحقيقة التي يدركها هو وحده .. يدركها في ههتافات الجماهير ,  يراها في آهاتهم مع كل لمسة للكرة 
يعرف أنها لا تدوم .. ولكنه مستمر حتى الآن على الأقل . أنا مازلت هنا
العقد الثاني في ممارسة كرة القدم هو العقد الأخطر .. هو الشيخوخة الكاملة هو لا معنى لاصابتك بكدمة في ساقك اليسرى سوى أن السفينة ستصطدم بالنهاية في أي ثانية
يلعب القبطان بكل ما أوتي من قوة .. حتى لا يشعر بالعجز أو اقتراب النهاية .. يصفق الجمهور , تصرخ الفتيات , يحرز القائد هدفا .. فيتحول لأسطورة  

Friday, December 6, 2013

السلّم

كان يوم عادي زي كل أيام عم ناصر , صحي الصبح بدري , مش عشان حاجه غير انه يلحق ينام بدري قبل ما الليل ييجي ويفتكر إنه عدّى 60 سنة وهو عايش لوحده , الليل صعب جدا من وجهة نظر عم ناصر .. وعشان كده كل يوم كان بيصحى بدري يركب ميكروباص لحد آخر الخط ويرجع فيه ..يمشي على الكونريش لحد ما يتعب .. ويرجع مشي ..
الفضول كان بيقتل عم ناصر كل ما يشوف شباب قاعدين على الكورنيش عند سلّم الكوبري وبيصطادوا سمك .

في يوم .. ركب عم ناصر ميكروباص وقعد على كرسي جنب الشباك يشم الهوا الساقع , وكان كل ما تعدي محطة ركاب جداد يطلعوا الميكروباص من غير ما حد ينزل .. على أول الكورنيش ركب شاب أسمر طويل .. طويل لدرجة إنه كان موطي في الميكروباص لدرجة إنه تاني جسمه كله وماسك في ايده شنطة جلد لونها بني

مع الوقت حس عم ناصر بتعاطف مع الشاب وعرض عليه ياخد منه الشنطة عشان يعرف يمسك في حاجه ويعرف يقف .. في الأول .. الشاب اتردد , لكن لما بص لوش عم ناصر مالقاش حاجه تخوف .. سابله الشنطة وقاله شكرا .

عند سلّم الكوبري - كالعادة - فيه ناس نزلت , عم ناصر كان كالعادة باصص ع الشارع بيسلّي وقته بالفرجة على الناس اللي عندهم مشاوير مهمة يعملوها

وفجأة .. اكتشف ان الشاب اللي اداله الشنطة نزل عند السلم من غير ما ياخد الشنطة بتاعته .. ارتبك جدا ونزل من الميكروباص ورجع لحد السلّم ومالقاش الشاب ..
فضل واقف شوية عند السلّم جنب الناس اللي بتصطاد .. يمكن الشاب يفتكر ويرجع يدور على عم ناصر لكن في الحقيقة .. ماجاش ..

في البيت , فضلت الشنطة محطوطة ع الترابيزة قدام عم ناصر اللي كان كل شوية يفكر يفتحها ولا لأ ...
وفعلا .. فتحها .. لكن كانت الصدمة الحقيقية إنه مالقاش حاجه مهمة , غير شوية ورق مكتوب فيهم كلام مش مفهوم ونوته بلاستيك مكتوب عليها من بره
" أنا مش عارف أنا بدور على ايه , لكن على الأقل بطلت أحس إني لو مالقتش حاجة هاموت .. أنا خلاص , قررت أخلي الحاجات هي اللي تدور عليا "

عم ناصر مافهمش الجملة أوي , هو ماكانش بيحب الفلسفة ولا الأشعار اللي كانت ماليه النوته اللي كانت بالنسباله كلها ألغاز مافهمش منها حاجة
لكن ماكانش يعرف ليه جاله احساس إن الحاجات دي هتهم صاحبها

كان كل يوم يركب في نفس المعاد نفس الميكروباص .. وكل مرة مايلاقيش صاحب الشنطة .. وينزل عند السلّم .. يستناه جنب الصيادين .. ساعه .. اتنين .. يفضل يتفرج فيهم على الصيادين وهم بيتكلموا مع بعض وهم متسكين في ايديهم الصنارات كأنها بنادق , وكانت أكتر حاجه بتبسطه لما يحضر لحظة فيها الصنارة ويشوف الصياد وهو بيتوتر وبيبتسم ويشد الصنارة ويتحرك معاها كأنه بيرقص مع السمكة .. وفي الآخر تطلع السمكة يحطها بكل سعادة في الجردل اللي جايبه مخصوص عشان يحط فيه السمك .. ويكمّل صيد

المرة اللي بعدها , عم ناصر خد القرار .. اشترى صنارة .. وقرر يجيب كرسي بيتفتح ويتقفل .. وجردل وطعم وقرر يروح يصطاد معاهم
ركب نفس الميكروباص في نفس المعاد وخد معاه الشنطة البني ..
وزي كل يوم مالقاش الشاب الاسمراني اللي سابله الشنطة
نزل عند السلّم , و حط الكرسي على الكورنيش وحط الطعم في الصنارة ورمى الخيط في النيل
وفي ايده التانية .. مسك نوتة الأشعار بتاعة الشاب اللي سابله الشنطة و ساعتها بس .. قرر إنه مش لازم يفهمها , كان أول مرة يحس بالشِعر , وعند آخر صفحة في النوته .. حس ان الصنارة بتتهز في ايده .. بسرعة ساب النوته وقام شد الصنارة بكل قوته و طلع سمكة بلطي كبيرة ..
ابتسم جدا وفضل قاعد 4 ساعات على الكورنيش وهو رامي الصنارة في النيل , أينعم ماصطادش غير سمكة واحده بس , بس كان مروّح سعيد جدا ..
وقرر إنه لما يروح هيفكر يعمل ايه في السمكة .. يا ترى هياكلها ! ولا يديها لحد غلبان ! ماكانش عارف .. بس في الغالب . هياكلها ..
عم ناصر كان محتار هيعمل ايه بالسمكة .. وكان ملخوم جدا في الميكروباص بالصنارة والكرسي والجردل اللي فيه السمكة
والشنطة البني ..
الميكروباص كان زحمة كالعادة .. كل الميكروباصات زحمة كالعادة .. البنت اللي كانت قاعده جنب الشباك جنب عم ناصر .. خبطت على كتفه وعرضت عليه تاخد منه حاجه تشيلهاله عشان يعرف يرتاح في قعدته , عم ناصر بصلها في عينيها .. ولما مالقاش حاجه تخوف .. سابلها الشنطة البني .

Tuesday, October 1, 2013

ماما

كنا في الشتا .. في آخر الشتا روحت البيت باعيّط مش فاكر ليه ؟ كل اللي فاكره إني كنت دايخ .. أول ما دخلت البيت نمت .. غمضت عينيا .. ونمت
وأنا بردان .. وبترعش
مش عارف نمت قد ايه لكن صحيت والدنيا كانت لسه ليل لما صحيت .. سمعت صوت عياط جاي من بره مش عارف منين في الشقة بس كنت متاكد إنه من عندنا .. خرجت مالقتش حد .. ناديت
ماما .. ماما .. ماما
ماحدش رد .. في المطبخ .. في الحمام .. ماحدش .. رغم ان صوت العياط لسه موجود , أخيرا دخلت أوضة نوم بابا وماما ولقيتها مش زي عادتها مترتبه وهاديه .. إنما كلها كراسي وناس لابسه أسود وماحدش فيهم بيبصلي
لقيت بابا قاعد بعيد في آخر كرسي وبيبص في الأرض بحسرة ووحدة سألته : بابا .. فين ماما ؟!
ماردّش
يا بابا .. رد عليا يا بابا
.. مصطفى !
فين ماما يا مصطفى ؟!
مصطفى ماكانش بيعيط بس كان بيبص لكل الناس بحزن وألم
قعدت أصرخ فيهم .. فين ماما
مامااااا
خرجت بره تاني .. أدور .. مالقتهاش
في عز مانا بازعّق .. دوخت اكتر عينيا تقلت ووقعت ع الأرض .. أغمى عليا
مش فاكر يمكن لساعه أو لساعتين لحد ما صحيت .. لقيت نفسي في أوضة مقفولة .. الرطوبة فيها عاليه ..ومفهاش نور .. مفهاش أي نور غير نور أصفر جاي من تحت باب لونه بني محروق .. فتحت الباب .. لقيت سرداب طويل .. لون حيطانه غامق وضيق يادوبك يساع اتنين وكان في نصه لمبه صفرا لونها شاحب
من بعيد كنت سامع صوت غراب بينعق بصوت حزين وبعد ما مشيت شوية سمعت من بعيد صوت اتنين ستات قاعدين ع الأرض لما قربت منهم لقيتهم قاعدين ع الأرض لابسين أسود وعينيهم مكحله وخدّهم زي ما يكون متعور من لخبطة الدموع  والكحل وكانوا بينعوا بصوت عالي وبيقولوا وهم بيبصولي بحزن
" لولا الملامة لاجيب سلّم ولاطلع فوق .. وأعاتبك ع اللي عملته يا قليل الذوق"
خوفت منهم ومدّيت وهم لسه بيبصولي .. لقيت لسه الغراب بيبصلي وفجأة طار قدّامي كأنه بيوريني السكة ..
وقف عند باب ..شبه باب شقتنا في بيتنا القديم
حطيت إيدي ع الأوكرة لقيتها متعاصة دم .. مسحت إيدي وفتحت الباب تاني ..
وخرجت .. وأنا باخرج الهوا شدني لبره .. كان هوا شتوي قاسي خدني معاه مع المطرة والبرق والرعد وخرجت لقيتني في صحرا .. صحرا كبيرة ماقدرش أشوف أولها أو آخرها .. ضلمة كأن القمر رفض ينور الليلة دي
ماكانش فيه غير ضوء نور جاي من بعيد من نار متولعه وقايدة بخشب محروق حتى المطر مابيطفيهاش .. وكان جنبها راجل عجوز .. قربت منه .. كان قاعد على صخرة دهبي لابس جلبية بني وعِمّه وباين على وشه تفاصيل كتير أكتر حتى من إني أفهمها ..
بصّلي كأنه بيقولي أقعد جنبه .. قعدت ..حط إيده على كتفي وبصيت في عينيه لأول مرة .. عينيه كانت سحابة عسلي بخطوط سودا , مسك كتفي بشدة وضمني عليه وصرخ
صرخة قوية جدا . صرخة نادت على كل الغربان والصقور فاتجمعوا حوالينا وقالي بصوت هادي . ماتخافش
وبعدها بص في السما وغنى
كان بيقول بحرقة
" يا بكريتي يا أم الجرس رنانه .. حبي خد البحور ولا حيانا
يا بكريتي يا أما الجرس رنانه حبي خد البحور ولا حيانا "
أول ما ساب كتفي قدرت أقوم ..وقفت على رجلي ومشيت فضلت ماشي في الصحرا مش شايف أي حاجه .. حواليا غربان وصقور كتير كأنهم مستنيين لحظة عشان يهجموا عليا .. أو يمكن كانوا بيدلوني على الطريق
في الصحرا ... لقيت باب
باب بني كبير من غير أوكرة ومن غير علامات .. من غير ما أخبط فتحت الباب
لقيت نور .. نور جاي من كل حته .. وقطة بني
جريت القطة من قدامي على سلّم طلعت وراها وكان حواليا قطط وكلاب وغربان وصقور .. وحمام
وقفوا كلهم قدام باب مستنيني أفتح
ومن غير ما أتكلم ..الباب اتفتح وطلع معاه صوت موسيقى بيانو هادية
لما فتحت .. كانت الأوضة أكتر مكان فيه نور نور من كل حته
ولقيتها
قاعده وماسكه كتاب .. وبتحكي لكل الحيوانات والطيور الموجوده ... كانت أصغر من آخر مرة شوفتها يمكن ب 30 سنة
عمرها ما كان عندها  تجاعيد بس وشها هنا كان أحلى
ماما
ناديت عليها .. ماما
ضحكت أول ما شافتني وقلعت النضارة وابتسمت
كانت لابسه فستان أبيض كان بيحضن جسمها الأسمر الجنوبي كأنه خايف يطير
وكان شعرها كأنه ليلة شتا طويلة جدا مابتنتهيش
قربت منها ..وقفت
ماما
ناديت عليها لكنها ماخدتش أي رد فعل
وفجأة فستانها الأبيض بقا يلم جسمها ويطير كأنه حبات هوا
صرخت  : ماما
اختفت
دورت عليها في كل المكان مالقتهاش
ووقعت تاني ع الأرض مغمى عليا لما أغمى عليا كنت حاسس إني حاطت راسي على دراعها وهي نايمه ومدّيها ضهري .. ومشيت ايدي على دراعها .. لحد ما وصلت لإيديها لما وصلت لإيديها اتأكدت إنها ماما .. لما تبتت على إيدي وضمت صدري بالإيد التانية وهمست في ودني
" المهم إننا مع بعض "
وبعدها بفترة .. فوقت .. خرجت بره تاني كان النور طلع ماعرفش المكان اللي كنا فيه بس تقريبا كان مقابر .. لقيت ماما ماشيه جنب بابا كان هو كمان لابس قميص أبيض ودقنه كانت محلوقة غير من شوية شعر خفيف كان ماسك في إيده ورده حمرا وهي كانت سابقاه بورده بيضا كانوا متأثرين بس مش بيعيطوا
وأنا كنت واقف ساند على صخرة مكتوب عليها حاجه مش قادر أقراها
لما ماما قربت مني حطت ورده على الصخرة وساعتها إتكلّمت وقالتلي
" وحشتني .. ماتخافش .. أنا جايالك قريب "
وابتسمت وسابت الورده حاولت أجري وراها لكن فيه شيء منعني وكأني محبوس  .. ولأول مرة قدرت أخيرا أقرا اللي مكتوب على الصخرة .. كان محفور على الصخرة اسمي بالكامل ومكتوب تحته كلام فهمت منه كل حاجه وساعتها بصيت لماما و بصوت عالي قلتلها وأنا باعيّط
" أنا لوحدي يا ماما .. أنا لوحدي "
وأنا متأكد تماما إنها بصيتلي وضحكت وقالتلي وهي بتفتح عينيها عشان تطمني و بصوت مسمعتهوش لكن فهمته من حركة شفايفها
قالتلي
" ماتخافش " .